العيني

175

عمدة القاري

الشبع يمنع طول الأكل المستلذ منه مدة الشبع ، والمقصود منه بيان حرصه وترك القناعة كأنه قال : لا يشبع عينك شيء . ويقال : واختلف في الشبع في الجنة ، والصواب : أن لا يشبع فيها ، إذ لو كان لمنع دوام الأكل المستلذ وأكل أهل الجنة لا عن جوع فيها . قوله : فقال الأعرابي مفرد الأعراب . قاله الكرماني ، وفيه تأمل ، والأعراب جنس من العرب يسكنون البوادي لا زرع لهم ولا استنبات . 39 ( ( بابُ ذِكْرِ الله بالأمْرِ وذِكْرِ العِبادِ بالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ والرِّسالَةِ والإبْلاَغِ ) ) أي : هذا باب في ذكر الله تعالى لعباده يكون بأمره لهم بعبادته والتزام طاعته ، ويكون مع رحمته لهم وإنعامه عليهم إذا أطاعوه أو بعذابه إذا عصوه . قوله : وذكر العباد له بأن يدعوه ويتضرعوا له ويبلغوا رسالته إلى الخلائق يعني : المراد بذكرهم الكمال لأنفسهم والتكميل للغير ، وقيل : الباء في قوله : بالأمر بمعنى : مع . قوله : والإبلاغ هذا هكذا في رواية غير الكشميهني وفي روايته : والبلاغ . لِقَوْلِهِ تعالى : * ( فَاذْكُرُونِى 1764 ; أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ) * * ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ياَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُو 1764 ; اْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُو 1764 ; اْ إِلَىَّ وَلاَ تُنظِرُونَ * فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) * احتج البخاري بقوله تعالى : * ( فَاذْكُرُونِى 1764 ; أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ) * أن العبد إذا ذكر الله بالطاعة يذكره الله عز وجل بالرحمة والمغفرة . وعن ابن عباس ، في هذه الآية : إذا ذكر العبد ربه وهو على طاعته ذكره برحمته ، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته . وذكر المفسرون فيها معاني كثيرة ليس هذا الموضع محل ذكرها . قوله * ( واتل عليهم نبأ نوح ) * قال ابن بطال : أشار إلى أن الله تعالى ذكر نوحاً ، عليه السلام ، بما بلغ به من أمره وذكر بآيات ربه ، وكذلك فرض على كل نبي تبليغ كتابه وشريعته . وقال المفسرون : أي يا محمد اقرأ على المشركين خبر نوح أي : قصته ، وفيه دليل على نبوته حيث أخبر عن قصص الأنبياء ، عليهم السلام ، ولم يكن يقرأ الكتب . قوله : * ( إذا قال ) * أي : حين قال لقومه : * ( إن كانبحير ) * أي عظم وثقل وشق * ( عليكم مقامي ) * أي مكثي بين أظهركم . وقال الفراء : المقام بضم الميم الإقامة وبفتحها الموضع الذي يقوم فيه . قوله : * ( وتذكيري بآيات الله ) * أي : عظتي وتخويفي إياكم عقوبة الله . قوله : * ( فعلى الله توكلت ) * جواب الشرط ، وكان متوكلاً على الله في كل حال ، ولكن بين أنه متوكل في هذا على الخصوص ليعلم قومه أن الله تعالى يكفيه أمرهم أي : إن لم تنصروني فإني أتوكل على من ينصرني . قوله : * ( فاجمعوا أمركم ) * من الإجماع وهو الإعداد والعزيمة على الأمر . قوله : * ( وشركاءكم ) * أي : وأمر شركائكم ، أقام المضاف إليه مقام المضاف . قوله : غمة يأتي تفسيره الآن . قوله : * ( ثم اقضوا علي ) * أي : ما في نفوسكم من مكروه ما تريدون . قوله : أي : ولا تمهلون . قوله : * ( ولا تنظرون ) * أي : أعرضتم عن الإيمان * ( فما سألتكم من أجر ) * يعني : لم يكن دعائي إياكم طمعاً في مالكم . قوله : * ( إن أجري إلا على الله ) * أي : ما أجري وثوابي إلاَّ على الله . قوله : * ( أمرت أن أكون من المسلمين ) * أي : أن أنقاد لما أمرت به فلا يضرني كفركم وإنما يضركم . غُمَّةٌ : هَمٌّ وضِيقٌ . فسر الغمة المذكورة في الآية بالهم والضيق ، يقال : القوم في غمة إذا غطى عليهم أمرهم والتبس ، ومنه : غم الهلال أي : غشيه ما غطاه ، وأصله مشتق من الغمامة . قال مُجاهِدٌ : إليَّ ما في أنْفُسِكُمْ ، يُقالُ افْرُقِ اقْضِ . أشار بهذا إلى تفسير مجاهد . قوله : ثم اقضوا إليّ ما في أنفسكم من إهلاكي ونحوه من سائر الشرور ، ووصل